الشيخ محمد رشيد رضا

108

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فلا يحتمل ان يكونوا قد نسوا أو تركوا ذكر نفي الوالد مع نفي الولد في الآية . ولهذا أغلظ حذيفة الرد على عمر في خلافته لما سأله عن الآية إذ توهم ان يحمله على أن يقول فيها شيئا برأيه . وعلى هذا يكون محل الاشكال هو نكتة نفي الولد دون نفي الوالد في الآية وإليك تفسيرها متضمنا لهذه النكتة : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ أي يطلبون منك أيها الرسول الفتيا فيمن يورث كلالة كجابر بن عبد اللّه الذي ليس له والد ولا ولد ، وله أخوات من عصبته وهؤلاء لم يفرض لهم شيء في التركة من قبل ، وانما فرض للأخوة من الام السدس للواحد منهم والثلث لما زاد عن الواحد شركاء فيه مهما كثروا لأنه سهم أمهم ليس لها سواه ، فقل لهم ان اللّه يفتيكم في الكلالة التي سألتم عنها بقوله : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ هلك مات ولا يستعمل منذ قرون الا في مقام التحقير ، وقد استعمله القرآن في غير هذا المكان بمعنى الموت مطلقا بقوله عن يوسف عليه السّلام ( حتى إذا هلك قلتم لن يبعث اللّه من بعده رسولا ) و « ليس له ولد » صفة امرؤ أو حال من الضمير في هلك . والمعنى ان هلك امرؤ عادم للولد أو غير ذي ولد والحال ان له أختا من أبويه معا أو من أبيه فقط فلها نصف ما ترك . والنكتة في الاكتفاء بنفي الولد وعدم اشتراط نفي الوالد تظهر بوجوه : ( 1 ) أنه داخل في مفهوم الكلالة لغة ( 2 ) ان الأكثر أن الانسان يموت عن تركة بعد موت والديه لأن المال الذي يتركه اما ان يكون ورثه منهما وإما ان يكون اكتسبه وانما يكون الكسب في سن الشباب والكهولة ويقل في هذه الحال بقاء الوالدين فلم يراع في الذكر إيجازا - ( 3 ) وهو العمدة أن عدم ارث الاخوة والأخوات مع الوالد الذي يدلون به قد علم من آيات الفرائض التي أنزلت أولا وتقدمت في أوائل السورة ، ومضت السنة في بيانها والعمل بها على ذلك - وعلم أيضا من القاعدة القياسية المأخوذة من تلك الآيات ومن هذه الآية ، وهي كون الأصل في الإرث ان يكون للذكر من كل صنف مثل حظ الأنثيين ، ومن قاعدة حجب الوالد لأولاده . قال تعالى في الآيات الأولى ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ) أي والباقي وهو